" لأنني الصغير " ؛ في الذكرى الرابعة لوفاة والدي ( 1-10 )





( 1 )
حين مات أبي
سمعتهم يتهامسون من خلفي
ضاع الأبناء
وغرق المركب !
وهاهو أصغرهم ، يتخبط لوحدة في مراهقته ! ، فمن يرعاه ؟ وكثيرة هي العبارات !
حينها لم أرد على أحد ، ولم أكتب رسائل غضب
لم أصرخ
لم أقاوم
لم أحاول أن أقنع أحد
حتى لمن حدثني
أهديته ابتسامة
 
( 2 )
أنا أصغرهم صاحب 19 عاما آنذاك ، في نهاية مرحلته الثانوية ، وعلى أعتاب منتصف الفصل الثاني ، وقد انكسر شئ فيني ، واهتز عالمي الهادئ الجميل
توقعوا مني الانهيار
لأنني الصغير !
ولكنني كنت الأقوى
واستمريت بصمت
واكتسبت صفة الهدوء والانعزال
واجتزت ...
...مرحلتي الثانوية
وحققت الكثير في حياتي القصيرة
لأثبت للكل من هو " الصغير "
ومرت سنين ، واستطعت أن " أجعل " الطب حلم لي ،  كُنتَ على حق ، فهناك وجدت نفسي ، ووجدت أصدقائي ، كم كنت حكيما ، كنت تعرفني أكثر من نفسي !


( 3 )
مرت سنين
وأوقات كثيرة للحنين
في كل قرار أتخذه لوحدي
في كل تردد
أفتقد الكثير
ولكنني اعتدت على الصمت
واتخاذ القرار لوحدي
قد اكتسبت كثيرا من صفاتك
رغم أنني لا أدري كيف !
ربما لأني " الصغير "


( 4 )
يستمرون بالحديث عني ، من خلفي ومن وأمامي ، يقولون لو .. ولو ، وكما صمتت فترة فقدانك ، وحققت بداية حلمك وحلمي ، بصمت وبتجاهل ، لن أهاب حديثهم ، ولن تؤثر فيني ، حتى صورتي لديهم ، لن تعني لي الكثير ، لأنني أركز على حلمي وحلمك ، وأسرتي وأحبتي وكفى !


( 5 )
أشعر بالوحشة وبالحنين ، في بعض الأوقات ، لسيرتك
ولطلتك
ولصوتك
ولغضبك ومحبتك
ربما ثاني أكبر خطأ ارتكبته في حياتي
كان في يوم دفنك
لم يستوعبني المكان
فأردت الابتعاد
الهروب والانعزال
واختفيت عن الأنظار
حتى وجدني أحدهم وامسك بيدي وذهب بي إلى الناس
فقط كانوا يبحثون عني لتعزيتي
كانوا يبحثون عن " الصغير "

( 6 )
كم كنت أحمق عندما أغضبتك ذات يوم
كم كنت أحمق عندما خالفت مشورتك ذات يوم
كم كنت أحمق عندما عاندتك ذات يوم
لم أكن أشعر بأنك تملك قلبا خائفا علي
تبحث عني وتحميني
وها أنا الآن أبحث عنك ولا أجدك !
كان وداعك قاسيا
مفاجئا
كان وداعك مفاجئا ، فلم تقضي العيد معنا ، قررت لأول مرة منذ أكثر من سنين 
طويلة أن تقضيه معهم ، وكانت المرة الأولى لك ولهم ، والأخيرة لنا ! فسافرت وأمضيته معهم ، وقابلت الكثير ، وضحكت معهم وقبلتهم ، حتى أعداءك لم تلتفت لهم ، وحاولت تهنئتهم ، لأنك كنت في العيد ! ، فذهبت للكل ، للذين افتقدوا العيد معك منذ عشرين سنة ، بقدميك زرتهم ، وبلسانك هنأتهم ، ووادعتهم ضنا منك أنك توادعهم لأجل ، ولك بهم لقاء ، وعدت لبيتك وأسرتك التي تنتظرك ، بعيدها الغريب الذي اعتاد عليك ، وفي الساعة السادسة أو الخامسة صباحا ، جئت بحقائبك ، واستيقظت أنا للصلاة فوجدتك ، فقبلتني قبلتين لم ولن أنساهما ، وقلت في نفسي سأراك الصباح كثيرا ، فلأعد لأنام ، أكبر حماقة ارتكبتها ، واستيقظت على خبر أنك ذهبت بنفسك للمستوصف ، فاعتقدت أنها زيارة عادية ، وذهبت لكتاب الفيزياء أدرسه استعدادا لاختباراتي ، ثم ذهبت لصلاة العصر ، وعدت سعيدا لأنني أنجزت دروسي ، ومستعدا لأن أجلس معك لأخبرك بالكثير في غيابك ، ولأسمع منك الكثير عن غيابك
ولكنني صفعت بخبر وفاتك !


( 7 )
هنا سأقطع شريط ذكرياتي
لست مستعدا لسرد ذالك حتى الآن
يطالبني البعض بأن أكتب تفاصيل وخفايا تلك الأيام
من جميع النواحي وفي كل الأوقات
ولكنني وبعد مرور سنوات
لست املك الجرأة
لسرد ما حدث
فمهما كتبت فلن أوفيك حقك


( 8 )
يضن البعض أنني نسيتك
لذا يتحدثون بحرية أمامي عنك
يدمع قلبي وتجف عيناي
ولكنني أتصنع الصمت والهدوء
بشكل مفاجئ


( 9 )
كل زوايا حياتي اشتاقت لك
أحاديثك معي عن مستقبلي
طلباتي واستشاراتي
تأنيبك لي عند أخطائي
كل الزاويا تشتاق لك
في أركان منزلك
حتى دواؤك يحن لك !
أكاد أقسم أنني أسمع في مكان جلوسك
أصوات تنادي أين أنت ؟


( 10 )
كيف لي أن أواجه جرحي ، إن كتبت وأخرجت التفاصيل ، أين أهرب من واقع تقبلته ، تحت تهديد المستقبل والظنون ، تطالبوني بأن أكتب عن أبي ، وأنا أتجنب ذكره خوفا على مظهري ! ، اعتدت الصمت والهدوء ، واعتدت الابتعاد عن الدموع ، اعتدت العمل من أجله ، والوصول للقمة لأجل اسمه حققت الكثير باسمه ، ولا زلت أبحث عن كثير ، لست مستعدا بعد لكي أعود بالصفحات للخلف ، وأن اقرأ تلك الحقبة من حياتي ، فستضل تفاصيلها معي ، وحتى لو قرأها غيري ، فلن يستطيع أن يفهم ، لأنها حروف اختلطت بالدموع ، فأنا الوحيد الذي يستطيع قراءتها لأنها دموعي
ولأنني "الصغير " .

12 اضف تعليق:

غير معرف 13 نوفمبر، 2011 1:44 ص  

رحم الله والدك و اسكنه فسيح جناته
دمعت عيناي يا يحيى..
لكن جميل منك هذا الوفاء لروح والدك تغمده الله بواسع رحمته

حنان الغامدي

غير معرف 13 نوفمبر، 2011 4:18 م  

اللهم ارحم والدك وأدخله الفردوس الأعلى يا رب ولك تحيتي

(حمدالدريهم)

بدر العسيري .. 13 نوفمبر، 2011 10:04 م  

حروف غزيرة بالمشاعر ..
وكلمات نابعة من قلب صادق ..

لا أستطيع أن أقول أكثر من ذلكـ ..

اسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرحم والدك رحمة واسعة وأن يسكنه فسيح جناته ..
وأن يجمعنا جميعا به في مستقر رحمته .. إنه جواد كريم ..

غير معرف 13 نوفمبر، 2011 10:25 م  

االلهم ارحمه واغفر له وادخله الجنه
جميل منك هذا الوفاء لوالدك كلماتك غرست نصلها في قلبي ونزف قلبي معك ...
مشعل عبد العزيز ...

ناقد فقط 15 نوفمبر، 2011 12:52 م  

أسعدالله أوقاتك بكل خير
نص لا أقول عنه إلا رائع بل أكثر من ذلك ، نص طال انتظاري له لانها حروفك شخصيتك كتابتك ليست لها شبيه بصمتك باختصار .
دمت ألمعياً دائماً وابدا .

غير معرف 15 نوفمبر، 2011 1:54 م  

أخي يحيى...
والله لو أنّ مدوّنتك لم تُعنون باسمك لاعتقدت أنّ هذه التدوينة دوّنت من قِبل فتاة لما لمسته من أحاسيس ومشاعر اعتقدتُ أن من المستحيل أن تخرج من قلب رجل.

لن أتكلّم هنا بمثالية....
لكن تأبى نفسي أن تقرأ هذه العبارات دون انحدار أمطار من الدموع بسبب خروج هذه الكلمات من قلب متحدّثٍ لواقعه..
أشعر بشعورك حتماً...فشعور الفقد لايوازيه أي ألم..
حينما فقدتُ في يوم من الأيام "أخاً" لي..عشت معه 14 سنة..نأكل ونتحدث وننام ونصبح ونمسي على وجوه بعض..وفجأة توفّي...!!!
شعرت وأن نصف قلبي قد تآكل وفي كل يوم أشعر بحرقة تنتاب قلبي ...
أنا لست هنا لكي أزيدك آلاماً وأسى وحزناً ..
ولكنّي بعد ذلك الفقد كنت أرى أخي في مناماتي كثيراً
يحدّثني ويبشّرني بأي درجةٍ من درجات الجنّة هو ويطمئن قلبي أنّه بخير وأنّه يحظى بحورية في الجنّة...
الرؤى تريجنا كثيراً بعدما نفقد...لتأتي مطمئنة لنا ولقلوبنا المرهفة فتقوّينا وتزيدنا صبراً..

من فقدناهم يستحيل أن ننساهم أو نتناساهم..
فذكراهم تلوّح في كل ركن من أركان البيت..
ربّما هم في حاجة لنا حينما نتذكرهم بأن ندعو لهم...
وأن ندعو الله بأن يرحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه..
يجب أن لاتكون كل ذكرى لهم تتسبّب في انهمار دموعنا...بل يجب أن تكون دافع وحافز لأن نحقّق ماكانوا يتمنّونه وأن نحقق أشياء عظيمة في أنفسنا حتى لو كان من حولنا استصغروننا عمراً...
ذكراهم ربما تبعثُ في أنفسنا أنّنا فُضّلنا عليهم بأيام نعيشها إضافية لنستزيد بالخير والسحنات لنثقل ميزاننا..وان نتدارك أنفسنا وأن نحاول أن نترك أثراً طيباّ وبصمةً جيدةوسمعة حسنة كما تركوها من فقدناهم...


أعجبني فيك تمسّكك بحلمٍ تسعى لتحقيقه لأنه كان حلم أبيك فيك..
وأعجبني أنّك تعترف أنّك الأصغر وصاحب الطموح الأعظم كطبيب...
لكن..
نصيحة من أختك الكبرى...
أن لاتعتزل العالم ولاتنطوي بسبب أنّك فقدت أباك..
يجب أن تجالس العالم وتعايشهم فليس من صفات الطبيب الانطوائية في غرفته أو في بيته بسبب أنّه فقد أباه..
لم تنتهي الدنيا يا أخي...
اسعى إلى تحقيق حلمك وأثبت للعالم أنّ الأصغر باستطاعته أن يقود المركب الذي اعتقدوا أنه قد غرق...
أثبت للعالم أنّ مهما فقدنا في هذه الدنيا فلن ننكسر ولن ننطوي عن العالم ...لماذا؟؟؟
لأن الله معنا في كل خطوة...سيحميني ويحفظني ويرشدني ويهديني ويقدّر لي الخير ويدبّر أمري..
ولاتحزن يا يحيى على أباك فأباك تولّاه برحمته أرحم الراحمين..


أسأل الله الكريم أن يغدق على أباك وأخي وجميع موتى المسلمين من واسع فضله وعظيم رحمته وأن يغفر لهم ويوسّع مدخلهم وان يجعل قبورهم روضة من رياض الجنة..
اللهم آمين

*حنان

غير معرف 15 نوفمبر، 2011 7:14 م  

رحم الله ابوك وجميع موتى المسلمين ولازلت اتذكر اخر زيارت له لنا حسيت فيها بشيئ غريب كانت سوالفه فيها هدوء عجيب , وعندما اخبروني بوفاته لم اصدق وكنت اقول كيف وهو امس عندنا ومافيه الا العافية , سبحان الله الانسان لايدري متى ياتيه الأجل , اخي يحيى أسأل الله لك التوفيق وأن يعوضك بخير مما فقدت

أحمد مفرح آل زايد
عمر أحمد مفرح آل زايد

لازلت اذكركم ولن انساكم ابداً ما حييت

عازفة الالحان 18 نوفمبر، 2011 10:20 ص  

التَفآصِيل الصًغيرة
ذِكريآتِه
بقآيآ صًوتُه
أمآله وأحلآمه
أشيآئُه
آمآكنُه وزوآيآهـ
كُلهآ تشًهد تًوآجدهـ بِهآ
كُلهآ تتألمْ الآن
والصًغير أرجُوكمْ إفهموآ
إنه ذآ إحسآسْ أكثُر منِكُم ..!

لقلبِك دُعوة
ورحَم الله جَميع مُوتى المُسلمينْ


دُمت بِخير يحيى

غير معرف 20 نوفمبر، 2011 1:10 ص  

رحم الله والدك يا دكتور يحيى واسكنه فسيح جناته صدقني يا اخي يحيى انا ارى فيك امتدادا له تمنياتي لك بالمستقبل المشرق والحياة السعيدة

غير معرف 20 نوفمبر، 2011 1:19 ص  

رحم الله والداك واسكنه الفردوس الاعلى وجعل الله قبره روضه من رياض الجنة اخي يحيى انت لست الصغير انت دايما كبير بقلبك بعقلك بمشاعرك بوفائك ادام الله عليك السعادة ماحييت ووفقك الله واعانك على تحقيق حلمك وحلم ابيك نعم الابن انت ماشاء الله لا قوة الا بالله تحياتي

غير معرف 22 نوفمبر، 2011 2:55 ص  

يحيى ...
كل هذه الاقوال دارت في مجتمعك الضعيف ،، ذلكـ المجتمع الذي كان ينتظر بين كل لحظة واخرى كيف ستكون بعد ذكـ الرجل الأبي،،فهناك من كان يتوقع أنكـ ستنجرف مع افكار المراهقة ولكنكـ اثبت وجودكـ المبهر...
يحيى أنت هو أنت ولنيمحيك غبار الزمن وغياهبه .
تقبلني بود ياصاحب العقل الفريد ..
ابن عمك الاصغر .
***
اعجبتني كلماتكـ هذه التي اراها تتربع في وسط نجوم الابداع والروعة ..
ودي ومودتي

غير معرف 8 ديسمبر، 2011 8:25 م  

أعجبتني كلماتك كثيراً ..
أحاسيس انسكبت هنا و مشاعر متفاوتة
و ذكريات مع الراحل المرحوم
جميع ما سكبته في هذه الأرض الخصبة كان سريع الطلع و بهيّ المنظر في مخيلتنا ..

اسأل لأبوك الرحمة
و بان تواصل تحقيق أحلامك
و السعي حثيثاً لأن تكون السند لأخيك الأكبر
و عائلتك الكبرى

متابع لك بصمت
و قد يكون بعض الصمت حكمة

إرسال تعليق

عن المساحة


مساحة للفكر والروح لنتنفس أكثر ، نتوضأ بالحروق على الغسق ، ونقلب الأوراق نبحث عن ذكرى هربا من أرق ، هن حروفي ، بنات أفكاري .. ولسن نقيات !

أنا

صورتي
نجدي الهوى جنوبي الحشى, الرياض, Saudi Arabia
كاتب سعودي في جريدة الوطن والشرق والحياة ، وطالب طب ومدون حالم ، ليست معقد كبيانو أو عود أو كمان يصعب فهمهم ، أنا إنسان بسيط مزمار ودُف ، ابن ماء السماء ، ابن النآي والقلم